المنجي بوسنينة
547
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
إلى الطابع التوجيهي ، والصراحة ، والصدق ، والجرأة ، وإثارة السخرية والنقد . أسلوبه خاصّ في الخواطر والانطباعات عن السفر ، وعموده الفقري النكتة الساخرة والهزل وإن كان أدبه أدب الرجولة . كما امتاز أسلوبه بميل إلى الإيجاز في السرد ، والاقتصاد في التعبير ، والابتعاد عن الانفعاليّة والعاطفيّة الحادّة ، والاقتراب من الصناعة الحديثة للقصّة ، وخصوصا الأميركية منها . إنه المسرحي الأوّل في لبنان ، كما قال مارون عبّود ، وهو « مارد القصّة » ، كما قال توفيق يوسف عوّاد ، وهو الذي « أعطى أدبنا النّفس الشخصي . فسواء ألّف المسرحية ، أو الأقصوصة ، أو المقالة ، لم يسعه إلا أن يكون هو نفسه فيها كلها ، من حيث الطابع الخاصّ والطرافة المتجدّدة بتجدّد المواضيع . » على حدّ قول الأديب خليل رامز سركيس . تفاعلت أصالته الفنّية مع تجربته الحياتيّة الغنيّة ، وجاء أسلوبه تعبيرا صادقا عن طرافة شخصيّته . يصبّ أدب سعيد تقي الدين القصصي في المثالية ، ويصوّر استسلام الإنسان للمادّة وسعيه الحثيث إليها ، ناسيا أنّها الفناء ، وأنّ ما جمعه منها في دهر قد يتبخّر في لحظة . غمس سعيد تقي الدين قلمه في الواقع الريفي واتّخذ منه شخصيّاته الرئيسة ، فصوّرهم متنكّرين له ، جاحدين إيّاه ، مندفعين وراء المادّة والمظاهر الاجتماعيّة البرّاقة . حتّى إذا وصلوا إلى النهاية وجدوا العقاب في انتظارهم من دون أن يكون لهم إمكان التوبة . وأخذ سعيد تقي الدين ، في أدبه ، جانب الفقراء وعطف عليهم ، وجعل لكلّ من يعتدي على حقوقهم وأرزاقهم أو يحتكر غذاءهم نهاية مأسويّة . فحسّه المثالي يضرب في الحقيقة الاجتماعيّة أكثر مما يضرب في الروحانيّة المطلقة . وهذا ما يرى واضحا في مجموعة « غابة الكافور » . كما امتاز أدبه بغنى في التحليل النفسيّ تجاوز الموهبة القصصيّة وعكس إلماما له بعلم النفس ، ما أكسب واقعيّته طابعا من العلميّة وشيئا من العمق والنضج والدقّة . وقد مزج بين المظهر الفيزيائيّ للإنسان وطاقاته النفسيّة . فلكلّ وجه ووضع وحركة ما يقابله في النفس ، وهكذا امتزج التصوير الداخلي للإنسان بالتصوير الخارجي فتكاملا . كان سعيد تقيّ الدين كاتبا كبيرا وقصّاصا مبدعا وناقدا اجتماعيّا ، ومن روّاد التأليف المسرحي والقصّة القصيرة ، فامتاز في كتابته بأسلوب ساخر خاصّ ، وبلغة تكاد تكون خاصّة . وقد لاقى أدبه نجاحا في الأوساط كلّها ، نظرا إلى ثورته على الظلم والإقطاع والتخلّف والرجعيّة والتعصّب ، وغلب على أقاصيصه طابع الكفاح والشقاء والتوثّب والكآبة والحزن والقلق والضياع والاغتراب والحنين ، فكان الإنسان موضوع محور كتاباته . ودبّت في مذكّراته روح العاطفة والحنين والشوق والواقعيّة والتعمّق بشؤون الناس وقضاياهم على رحب خيال ، وسرعة خاطر ، ونظر ثاقب للأمور ، ورغبة بالإصلاح . ويبقي سعيد تقيّ الدين في طليعة القصّاصين في لبنان والعالم العربيّ .